الأربعاء، 22 يونيو 2011

مراهقة سياسية


يبدوا ان التلازم اللفظي لكلمة " صبر " وابناء العراق اصبح علامة فارقة لا يستطيع اي متكلم ان يتجاوزها مطلقا , بمعنى ان تعبير " صبر العراقيين " اصبح له من الدلالة والايحاء حتى ليخال انه سمة لفظية واحدة غير مركبة اذ ان تجانسها وتداخلها مع الاحداث وفي صلبها يجعل كل الاقلام تتوقف عندها ولا شك في ان ما اوجد هذا التركيب الفريد كم المعضلات والمحن التي شهدها وسيشهدها كل من يسكن ارض الرافدين .
ولان العراقيين يصنعون الاحداث دائما لكنهم لا يكونوا ابطال لها إذ غالبا ما تخطف أدوارهم وتصادر جهودهم لذوي الوجاهة الكلامية حصرا , لهذا فهم يقفون دوما في أخر الطابور ينتظرون صدقة ممن صنعوه بايديهم ولا يانفوا ان تبح اصواتهم او تحترق ايديهم تصفيقا له وفداء له كل جوع او تخلف او حتى تعذيب وقهر.
وفي التاريخ العراقي شواهد لا حصر لها تهيمن فيها عقلية الاستفراد السلطوي على كل مرحلة تعقب انتفاضة للتغيير التي مافتئ يتبناها الفقراء , فالانتخابات وهي اقرب ما صنعه الشعب تعد افضل ما يمكن الوقوف عنده والاستدلال عليه , وهي كتجربة ميدانية مهمة وملحمة شعبية رائعة تمثل اعلى درجات الديمقراطية المغيبة عن كثير من شعوب المنطقة , نهض باعبائها الشعب رغم الكم الهائل من التهديدات والترويعات والمفخخات .
ولا يشك احد ممن مارس هذه العملية على قدرة العراقيين وتحديهم المصاعب للوصول الى صناديق الاقتراع والادلاء برغبتهم وحقهم الانتخابي وكما يعتقد اهل السياسة والكياسة ان عوامل نجاح كل عملية من هذا النوع مرهون بعوامل عديدة منها توفر الامن والحرية ووجود الحافز للتغيير وكذلك النزاهة في ادارة العملية وهي اهمها وهذه بديهيات كل عملية ديمقراطية بحيث اذا فقد احدها اختلت العملية برمتها وتعرضت البلاد الى زلزال سياسي يودي باستقراره وطموحاته .
ولو ان العراق يفتقد الى اكثر من عنصر من هذه العناصر لكنه عوضها برغبته الصميمة وتوقه الحقيقي للتغيير وايجاد بدائل طموحة قد تستطيع السير بسفينة اهل الدار لمرافي الاستقرار, لكن ترى ماذا انتجت ديمقراطيتنا الطموحة ؟ ومن هم فرسانها ؟ سؤال لازم كل من شارك في العرس الانتخابي , فوجد اجابته صادمة وقاتلة لكل طموحاته وورغباته ...
** يعرف ارباب العلوم النفسية ان الانسان اذا دخل بعض من سني عمره الاولى تبدا نفسه في الاضطراب وسلوكياته بالتناقض وتتبلور عنده بعض المفاهيم والافعال الفارقة , وهذا ما يصطلحون عليه بـ " سني المراهقة " وانا اكتب عن احوال السياسة في العراق لم اجد افضل من تشبيهها بسنوات المراهقة هذه , ولعله الانسب لها كونها ما زالت في طور النشوء والتحول من البدائية المفرطة الى حالة متطورة تسود فيها القيم والاعراف التقليدية في التخاطب والتعامل مع المستجدات ويالتالي حسم القرار الفعال , ومن ينظر لحالنا وحال البلد وحال اولي الامر او من توهموا ذلك يجد اننا وبوضوح تام مازلنا في برزج طويل الاجل او هكذا يراد , بين البدائية والديمقراطية الحقيقية , ولن يعاني ذلك المشاهد في استحصال ادلة تخبط ولا وعي مفرط بأساسيات الحكم والمعارضة تلك الثنائية المهمة لتاسيس التجربة الديمقراطية .
ولنقل ان جل خطابات الساسة وردود أفعالهم اليوم تميل الى التجريح والتنابز الشخصي بعيدا كل البعد عن تاشير الخطا ووضع اليد على الجرح اوتطبيبه , فأصبح تلاقف الخطأ مدعاة للظهور الإعلامي المتكرر وحب لعب ادوار البطولة والتباكي على ما كان وما سيكون بل وشخصنه الخطأ بذات معينة وتحميلها أوزار الماضي والحاضر والمستقبل دون النظر بتاتا للظروف والعوامل التي ادت الى حدوث الخطأ .. هو الداء بعينه وهو لب المراهقة التي اشرنا لها .
ان معظم سياسينا النجباء قد ولدوا ساعة التغيير وسقوط الصنم نفسها , ومارسوا مهنة الحكم بعد ايام من ولادتهم دون خوض اي تجارب او ممارسة أعمال مشابهة لما آلوا اليه, كما ان سياسة القفز على اكثر من منصب وتجربة أكثر من كرسي ولا ننسى التعطش الغريب للاستحواذ على كل الغنائم , وضع العراق وشعبه على أتون ملتهب من الكوارث والمحن فشكل ذلك عبئا اخر لاعباء الشعب المثقل الذي لا يعرف " من حاميها ومن حراميها "
وللاسف الشديد فان نفسية هذا المراهق السياسي المتأزمة قبلا بفعل الاضطهاد والفقر المسبق جعلته يفكر اكثر من مرة بتحصين نفسه وعدم التفريط بما في يده فكانت كل قراراته مبنية على اللا تنازل مطلقا ولغته التي صار يتقنها هي لغة التهديد والوعيد مفضلا ان يبقى الوضع على ما هو عليه ولا ياخذها فلان او فلان ممن له معه حكايات وحكايات من الزعل والتصادم , بل انه يقبل اكثر من ذلك حين يرى كرامة بلاده مهدورة وابناء جلدته مضيعي الحقوق بلا حكومة او قانون ما دام هو ينعم بخدمات الخلاف التي يوفرها له أسياده ومن يريدونه ان يستمر في خلق أجواء التازيم .
وعليه على العراقيين ان يلوذوا بالصبر ويرتدوا اسماله التي تعودوا عليها منذ ازمان طويلة ولا " يتأفأفوا " او يطلبوا بدلا لأنه بكل مراراته افضل بكثير من طلاب الاستئثار وأرباب الشعارات..
7 - 5 - 2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق